الصحافة اليوم: بقلم: مراد علالة
ما كل مرّة تسلم الجرة... هكذا قال القدامى وهذا ما ينطبق في تقديرنا على الاطلالة الاعلامية الجديدة لرئيس الحكومة الياس الفخفاخ مساء الاحد 14 جوان 2020 حيث بدا الرجل أنيقا وسلسا كعادته في الحديث لكنه نصب لنفسه أكثر من فخ وبدا فوق كل ذلك وكأنه يتحدّى الجميع في منظومة الحكم وفي المجتمعين السياسي والمدني وعموم التونسيين بطبيعة الحال، بمصارحتهم بأن ما يصدح به هو كل ما لديه ولهم سديد النظر !.
والحقيقة أن ساكن القصبة فقد في مصافحته الجديدة مع الجمهور كثيرا من الصدى الايجابي الذي غنمه في اطلالته الاولى في 2 أفريل الماضي وحتى في الثانية في 19 أفريل ايضا لأن الواقعية والبراغماتية تصلح للتأثير في الناس بعض الوقت لكنها لا تكفي لكسب تأييدهم وثقتهم طول الوقت وخصوصا حين يصطدم الناس بالواقع وصعوباته وتنحسر أمامهم الخيارات ويكثر بحقهم الضيم وتُمس حرياتهم وتنعدم الرؤية والثقة في المستقبل وفوق كل ذلك يختار محدّثهم الهروب الى الامام والهروب، بالتجربة مربك ومُوقع في الاخطاء.
لقد تكلم رئيس الحكومة في قناة التاسعة الخاصة وإذاعة موزاييك اف أم الخاصة ايضا مع مُحاور واحد – وهذا بدوره «فخ» نترك لهيئة الاتصال السمعي البصري/الهايكا التي دافع عنها اسبقية «الافتاء» الحصري فيه – وقد جرت العادة أن تمرّ حوارات المسؤولين في الدولة في الإعلام الخاص بردا وسلاما وتكون في الغالب حوارات عادية يستفيدون منها في تلميع الصورة، ويظل الظهور في المرفق العام سواء في وكالة الانباء أو في صحف دار لابراس أو بالخصوص في القناة الوطنية الاولى، الاطار الرسمي للاعلان عن المواقف والقرارات الرسمية وهذا التقليد لا ينقص في شيء من دور هذا الصنف من المؤسسات الاعلامية أو تلك.
التطبيقة العجيبة
الغريب أو ربما الطريف في الحوار الجديد لرئيس الحكومة في الخاص هو الاسترسال في التعبير عن المواقف والقرارات بأسلوب تقريري استباقي عفوي لم يتفطن اليه المحاور في بعض الحالات للتثبت مثلا أو الاستيضاح، ولم يفرمل هو نفسه إجاباته التي اثارت في النهاية ردود فعل أكثر من جهة كي لا نقول ودون مبالغة الجميع بما في ذلك أعضاء من فريقه الحكومي.
وقد تسببت هذه الواقعية والبراغماتية في الايقاع بصاحبها في عديد المطبات كما اسلفنا وحوّلت حديثه عن الانتصارات والمنجزات كالنصر على الكورونا الى طلاسم و«معارك» بدأت ولا أحد يدرك متى ستنتهي.
في هذا الاطار، سارعت مثلا وزارة تكنولوجيات الاتصال صباح أمس باصدار بيان تؤكد فيه الحرص على حماية المعطيات الشخصيّة في كل تطبيقة يتم اعتمادها بما في ذلك تلك التطبيقة التقنية المتعلّقة بمدى الالتزام بالحجر الصحّي العام والموجه والتّي تحدّث عنها الياس الفخفاخ في الحوار وذلك بالتشاور مع الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصيّة.
البيان لم يقنع هيئة المعطيات الشخصيّة التي نفت علمها بالموضوع وقال رئيسها شوقي قداس، انه سيطلب توضيحا من رئاسة الحكومة!.
رسميا دائما لم تتأخر الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في الادلاء بدلوها في بعض «مطبّات» الحوار وخصوصا اعتراف رئيس الحكومة بانتصابه للحساب الخاص ان جاز القول والاشتراك في مؤسسة على الاقل تتعاطى مع الدولة.
وقد كشف إلياس الفخفاخ عن امتلاكه 20 بالمائة من أسهم شركة قال انها تعمل في مجال البيئة مؤكدا أنها تتعامل إلى اليوم مع الدولة وأنه ليس في ذلك تضارب للمصالح، اعتراف لم يقنع رئيس الهيئة شوقي الطبيب الذي قال انه لا يمكن لرئيس الحكومة نفي شبهة تضارب مصالح مذكرا بما وقع اتخاذه من اجراءات مع نواب في البرلمان.
الخطاب المزدوج
بتقدم الحوار، تمادى رئيس الحكومة في الايقاع بنفسه في ما لم يوقعه فيه أحد أو دفعه للوقوع فيه ولم تكد تمر ساعات على اعلانه في الحوار الصحفي المباشر أن الحكومة اتخذت قرارا بعدم اللجوء إلى التداين الخارجي والتعويل على موارد الدولة الخاصة حتى تم التوقيع أمس الاثنين على قرض جديد من البنك الدولي لتونس بقيمة 175 مليون دولار دعما لميزانيتها في مواجهة انعكاسات الجائحة الصحيّة المترتبة عن فيروس كوفيد 19.
وقد أطنب وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي سليم العزابي في الاشادة بهذا الدعم غير المسبوق للميزانية على حد قوله والذي تطلَّب تنسيقا مكثفا على مدى عدة أشهر.
وفي باب التذكير فقط فإنّ إلياس الفخفاخ نفسه هو الذي قال للتونسيين والعالم قبل زهاء الشهرين انه لا خيار الا التعامل مع صندوق النقد وهو الذي أسس لعودة تونس وبقوة الى أحضان هذه المؤسسة المالية في 2013 عندما كان وزيرا للمالية في حكومة الترويكا بقيادة النهضة وسار على دربه للأسف الوزراء في الحكومات المتعاقبة.
ولا يمكن ايضا تناسي تصريح إلياس الفخفاخ بأنه سيراجع المنافسة الاقتصادية لان الاقتصاد التونسي لا توجد فيه تنافسية على حد تعبيره ومجلس المنافسة في تونس هو مجلس صوري لم يتخذ اي قرارات ولا نخال ان مثل هذا الكلام سيمرّ مرور الكرام.
«مريقل» صورة وردية
ومن المفارقات العجيبة ايضا تكرار رئيس الحكومة لمقولة انتمائه الى العائلة الديمقراطية الاجتماعية وهي عائلة لا تعارض الخيارات الليبرالية في جوانبها الاقتصادية فقط وانما تنتصر للحريات ولنضالات المهمشين والمعطلين عن العمل والعاملين بالفكر والساعد وهو ما مرّ عليه ساكن القصبة مرور الكرام كذلك حيث جاء تفاعله مع ما حصل في منطقة باردو بالعاصمة باهتا ولم يكترث لاقدام رئيس بلدية لا على المس بجمالية المكان فقط وانما مصادرة حق شريحة ولو محدودة من المواطنين في التظاهر في رحاب ديمقراطيتهم الناشئة.
ليس ذلك فقط، لم نتبين الغثّ من السمين في حديثه عن الاحتجاجات الاجتماعية المطالبة بالحق في الكرامة والتشغيل وإقحام الأمن والقضاء في معارك استنزاف عبثية لا تليق بتونس الجديدة كما يحصل اليوم في المكناسي.
كذلك الاصرار على التهديد والتلويح بالمسّ بالأجور والجرايات تحت يافطة انعدام الخيارات ووضع الاطراف الاجتماعية والمنظمات المهنية وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل أمام الأمر الواقع والحال ان الشراكة تستوجب تقاسم التضحيات والتشارك في البحث عن الحلول المنصفة والاعلان عنها بشكل جماعي.
ومرة أخرى كأننا برئيس الحكومة يعمل بمقولة انصر أخاك ظالما او مظلوما عندما يدافع عن الوزير الذي «مشا ايريقل في امورو في فرنسا» ونقصد هنا وزير الطاقة والمناجم والانتقال الطاقي المنجي مرزوق الذي منحته «ريشة الوزارة» فرصة العيد وسط العائلة في الوقت الذي تعذر فيه على مواطنين من ابناء جلدته حضور مراسم دفن أعزاء عليهم في ارض الوطن المشترك.
وحتى عند اثارة ملف «سيارة الوزير» وزير النقل أنور معروف ذكرنا رئيس الحكومة بان لدينا آلية مثالية سريعة في تونس لعلاج مثل هذه الملفات الحارقة تسمى «فتح تحقيق» والبقية تأتي.
هذا وعندما تحدث رئيس الحكومة مساء الأحد عن التضامن الحكومي وعن العلاقة الوردية مع رئيس الجمهورية وخصوصا مع رئيس مجلس نواب الشعب وعن يسر مواصلة العمل دون توسيع الحكومة خُيّل الينا بالفعل وقبل الاستيقاظ أمس الاثنين أن كل شيء «مريقل».



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق