التجريد والتجديد.. فاروق حسني نموذجا. و إختلاف الرأي مع د. رضا عبدالسلام يعني تجديد الرؤى
باريس عبدالرازق عكاشة* .
لم يكن الإختلاف يوما سبب انزعاجي بل هو مولد للسعادة لدي وخصوصا عندما يتعلق الأمر مع رمز من رموز حركة التشكيل المصري المعاصر الدكتور رضا عبدالسلام. المتشابك دائما من أجل وجود حلول لفك شفرات الجمود والتراجع داخل المحترف المصري.. كجراح يبحث عن علاج لحالة خلل الأنسجة العضوية… في أطراف معادلة التشكيل المصري.
على ما يبدو، ما كتبته كمقطع صغير حول معرض الفنان فاروق حسني المقام الآن في القاهرة، بأحد قاعات العرض بالزمالك،
إن ما كتبته يدخل في نطاق ما يسمى وجهة نظر حول أعمال الفنان فاروق حسني تلك التدوينة أثارت جدلا كبيرا بين مؤيد و معارض، البعض ذهب بعيدا و أقحم وجهة نظري في اتجاه سياسي ،
و رغم ما وجدت من معارضة في الرأي، و انا أكتب عن المعرض. مثل ما كنت أجد معارضة أشد وانا انتقد الوزير ، لكن اليوم اكتب لكم ليعرف العامة و الفنانين ما عجز عنه إعلام الوزير وقتها في إيصال مفهوم التجريد عند الفنان.، بحجم ما كانوا يحشرون منجزه الوزاري ، فهناك من يظن أن التجريد فكر قائم على إلقاء الألوان على الكانفس، أو أنه نوع من العجز الإبداعي, أو ان التجريد مجرد حالة عصيبة أو استسهال..
مثلا في المعرض القومي أدهشني غياب الوعي و الثقافة عن كل الذين سعوا لرصد و رسم حالة التجريد. و جاءت أعمالهم أقرب إلي حالة التغييب و التهريج. أدفع عمري كله إذا كان اصلا القائمين على المعرض القومي يعرفون المعنى الفلسفي الحقيقي للتجريد .. وحالاته .
المهم بعد كتابة ملاحظتي أثار انتباهي تعليق وملاحظة مهمة للناقد السعودي والفنان المحترم عبدالله إدريس. متسائلا إن لم يكن فاروق حسني وزيرا هل كان سيحقق كل هذه الشهرة؟!!
سؤال مهم مشروع من أخ عزيز وان كان وجه لي اتهاما بأني اقول ان فاروق حسني هو أهم تجريدي عربي،؟
حاشا لله. لكن أجيب الفنان عبدالله نعم أن لم يكن حسني وزيرا كان سيحقق نفس الشهرة و أكثر. ليس كممارس للفن فقط. لكن لأن هناك كاريزما تصنع الفن و الفنان، من وجهة نظري. وأن هناك ثقافة كبرى تحرك الفنان، ففاروق حسني يملك ذلك. و هناك ألف موهوب أكثر منه. لكن لا يعرفهم أحد بسبب غياب الثقافة. الوعي. المعرفة. الكاريزما. فسيزان أبو الحداثة يؤكد على صناعة الكاريزما قبل الفن، الف فنان في الغرب مثل سيزان و كوربية و رودان. هم أبناء ثقافة.
ومجرد طرح السؤال هو معادل لتأجيج حالة غياب الوعي. فهناك أسئلة قدرية اجابتها صعبة ..
فاروق حسني ود. رضا والتجريد .
الدكتور رضا عبدالسلام اعترض على جملتي. ان فاروق حسني من أفضل فناني التجريديين العرب .. و طرح عدة أسماء فعلا تمارس التجريد. بعضهم بروعة ، و بعضهم بدهشة ، مثل الدكتور أماني فهمي أحد أبرز الوجوه والعلامات البارزة في التجريد العربي . و لا ننس أيضا بعض الأسماء التي تمارس سرقة التجريد بدون فهم، وليس مهم فتح هذا الملف الان.
لكن الدكتور رضا تجاهل أنني قلت أن فاروق حسني من أنجح التجريدين العرب الذين اقتربوا من أنفسهم. و تلاقوا و تصادقوا مع العمل الفني.. حتى على حساب التجريد ذاته، لكن لم أقل أنه أفضل تجريدي مصري عربي. وأنا على وعي كامل بالتجريد العالمي. و مدراسه و التجريد العربي في كل قطر من الأقطار..
فاروق حسني وخيانة التجريد
المتابع لفاروق حسني جيدا سوف يعرف ان فاروق نفسة خان التجريد منحرفا بزاوية 45 عن التجريد المتعارف عليه منحازا إلى التعبيرية التجريدية. لأنه وضع نفسه ذاته محال شرعي للون. أمام الخط. حتى لو حاول الفنان مراوغتنا في ذلك، الا انه من السهل اكتشاف مناطق التماس مع الذات.، وأحيانا ما يأخذنا فاروق حسني الى حالة من التلوين الحسي وكأنه نوتات موسيقية ملونة.. انه يرسم حاله هو فقط..
الدكتور رضا انا اتابع عن كثب التجريد العربي من شفيق عبود أحد أهم و أنجح التجريديين العرب الذي انضم الي مدرسة باريس .الثانية في الستينات مع الرائد سولاج وزوكي الخطير ، و شفيق عبود لبناني الأصل ، هو وصليبا دويهي الرائع ،وبول غيراغوسيان ومن قبل رمسيس يونان ،وفؤاد كامل.. من رحم التمرد السريالي،
كذلك نجيب بالخواجة تونس. محمد المليحي المغرب، و أحمد الشرقاوي المغرب، الذين تصنف أعمالهم ضمن خانة التجريد الهندسي البحت، اما فؤاد بلامين المغرب، الرائع لونيا من رحم كلود مونية ولوحة الأكبر قاع النهر كذلك الكردي السوري عمر حمدي.،(مالفا) الذي عاش في فيينا. أصحاب مدرسة التجريد الجمالي، هؤلاء الباحثين في علوم جماليات التجريد..
اما مدحت شفيق مصري إيطالي الذي يصنف في خانة التجريد الحر.، وعبدالرحيم شريف البحرين. تجريد مرتكزا علي فناني مدرسة باريس عند اوفيه دبيره... و من قبل فائق حسن. و شاكر آل سعيد العراق. ارتكاز على التجريد الإيطالي عند فونتانا الذى مزق جسد اللوحة. كذلك محمود جادالله فلسطين والدكتور رضا عبدالسلام و د. مصطفي عبدالمعطي و د. مصطفي عبدالوهاب، و غيرهم الكثير،
فلكل فنان مِن هؤلاء اتجاه داخل الاتجاه التجريدي ،
فليست كل لوحة مجردة هي فن تجريدي.،
و ليس التجريد هو كل من رسم شكل وهمي مجرد كما ذكرت عدة أسماء . وكما تعلمنا منك اكيد. و لا ارفع صوتي في مجلسك لكن اتنفس معك في حدائق المعرفة.
و اسعد دائما بكتابات الدكتور رضا عبدالسلام . و استمتع بحديثه جدا لكن لابد أن نوضح للمتلقي أن للتجريد أكثر من مدرسة. و إتجاه.
فلتجريد بحور ومعارف وان بول كلي منذ شرع في التجريد قدم نموذجا مختلف عن كاندينسكي. وجاكسون بولك، وعربيا كما ذكرت شفيق عبود اللبناني هو أجمل مجرد عربي معتمدا على الحس اللوني . من رحم الفرنسي بونار المجدد،
فحين أن مواطنه اللبناني كما ورد ذكره الرائع صليبه دويهي كان فنانا مهما جدا في إطار التجريد الهندسي.
. منحازا الى التجريد التكعيبي بدأ من عند فرنان ليجة.
فحين ذهب بول غيراغوسيان الي رحم الفنان الفرنسي الروسي الأصل نكولا ديستال..
اما جاد الله الفلسطيني المصري الأمريكي انحاز الى الاعتماد علي الطاقة الروحية في التجريد. مدرسة جاكسون بولك.
واعود الي معرض اليوم فأنا حددت أن حالة السيد فاروق حسني من أجمل حالات الاقتراب من النفس والتفتيش في حقائب الذات . أوجاعه قلقه. ذاته، تلامس واشتبك مع مناطق خطيرة في الروح. والرغبة. النهم والاشباع.
الشجاعة في استخراج ذلك للجمهور، عدم الخوف من مجتمعات قاهرة للفنان هو صادم و جسور ، و يطرح رؤى غير معتادة للمتلقي العربي.، فهو صادق إذا اقترب المتلقي بعين تفتش في أسرار اللون. و تضاريس الخط، ربطا ذلك بطريقة الحياة للشخص.، لم أقل أن فاروق حسني أفضل الفنانين العرب وصمتت..لكن فاروق حسني وراء كل خط معادل بصري متوزاي مع خط حسي. مثلا هو مختلف مع د. رضا من وجهة نظري، فانت تجرد كمجرب طلائعي. مرتكز على كتل لونية ذات أبعاد فلسفية.،
اما فاروق حسني. لايلجأ الي هذه الطريقة فاللون عنده و الطريقة حسية وجدانية أكثر منها نفسية...
ولنا تكملة أخرى الجمعة القادمة
*فنان تشكيلي وناقد ـ رئيس صالون الشرق بباريس



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق